الحديث الثالث من الأربعين النووية

بعد الرجوع إلى كتاب الأربعين نووية للإمام النووي؛ تبيّن أنّ الحديث الثالث هو ما أخرجه البخاري ومسلم؛ عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَانَ).[١][٢]


شرح الحديث الثالث من الأربعين النووية

(بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ)

أشار أهل اللغة إلى أنّ لفظ البناء لا يكون للأمور المحسوسة؛ إنّما للملموس من الجدران والأسقف ونحوها، وفي اختيار النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا اللفظ، وربطه بالإسلام دلالة على بلاغته -صلى الله عليه وسلم-، وفصاحته؛ فقد جمع بين المعنى المحسوس للبنيان، وبين المعنى الملموس؛ فكان تشبيه الإسلام بالبنيان تشبيه تمثيلي مبنيّ على الاستعارة؛ فكأنّ الإسلام بيت أو حصن حصين؛ له أسسه وقواعده التي قام عليها.[٣]


وهذه القواعد ليست من الحجارة أو الحديد أو الطين؛ إنّما هي مجموعة من الدعائم، التي تقوم على عددٍ من الأعمال والأقوال والاعتقادات؛ التي تستقر بالقلب، ويتفوّه بها اللسان، وتظهر عملاً على الجوارح؛ فكان هذا البناء هو الأقوى، والأمتن.[٣]


(شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ)

كلمة التوحيد لا يصحّ الإسلام بدونها؛ وهي الأساس الأول الذي يُبني عليه الإسلام، فلا بدّ من النطق بها، ثم معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، وشهادة أنّ لا إله ولا معبود إلا الله تُثبت العبادة لله وحده، وتنفي عنه الشريك -سبحانه-، فيتوجب من ذلك التوجّه له وحده، وقصد الأعمال وإخلاصها له وحده، والاستعانة به وحده، وفي ذلك كلّه نجاة من العذاب، وأساس المعاملة والحساب في الدنيا والآخرة.[٤]


أمّا الشهادة بأنّ محمداً رسول الله؛ فهي الإقرار برسالة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ونبوته، والاعتراف بأنّه خاتم الأنبياء والمرسلين؛ فلا يصحّ الإقرار بإحدى الشهادتين، دون الأخرى، ولا يُعقل أن يأتي أحدٌ بنواقض هاتين الشهادتين، ويعدّ نفسه مسلماً حقّاً؛ إذ لا خلاف بين أهل العلم في أن من لم ينطق بالشهادتين، أو نطق بهما، وأتى بما يناقضهما أنه ليس بمسلم؛ فأركان الإسلام متكاملة، لا يمكن التغافل عن أحدها.[٤]


أركان الإسلام الأخرى

رتّب الحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر بقيّة أركان الإسلام على النحو الآتي:[٥]

  • إقام الصلاة؛ وهي عبادة بدنيّة محضة.
  • إيتاء الزكاة؛ وهي عبادة ماليّة لا بدنيّة، تقوم على إخراج جزء محدد من المال وفق شروط محددة.
  • حجّ البيت؛ وهي عبادة ماليّة بدنيّة.
  • صوم رمضان؛ وهي عبادة بدنيّة تقوم على الكف والترك.


وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض أهل العلم عدّوا هذا الترتيب من قبيل الترتيب الذِّكريّ؛ الذي يجوز فيه التقديم والتأخير، وذلك لأنّه ثبت في حديث جبريل -عليه السلام- تقديم الصوم على الحجّ؛ ففي الحديث: (... يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنِي عَنِ الإسْلامِ، فقالَ رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-: الإسْلامُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكاةَ، وتَصُومَ رَمَضانَ، وتَحُجَّ البَيْتَ إنِ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبِيلًا...)؛[٦] فيكون المقصود من تباين الترتيب التنبيه إلى الدعائم الخمسة التي بني عليها الإسلام.[٥]

المراجع

  1. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:8، صحيح متفق عليه.
  2. النووي، الأربعون النووية، صفحة 52.
  3. ^ أ ب عطية سالم، شرح الأربعين النووية، صفحة 7، جزء 13. بتصرّف.
  4. ^ أ ب عبد الكريم الخضير، شرح الأربعين النووية، صفحة 2-5، جزء 4. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ابن عثيمين، شرح الأربعين النووية، صفحة 79-81. بتصرّف.
  6. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم:8، صحيح.