حديث تعزية أهل الميّت

لم يثبت عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- أنّه كان يقول في تعزية من تُوفّي له قريبٌ: "عظَّم الله أجرك، وأحسن الله عزاءك، وغفر الله لميتك"، إنّما هي كلماتٌ تناقلها بعض العلماء ودرجت وانتشرت على ألسنة الناس في التعزية، أمّا الأفضل والأجدر أن يُقال عند التعزية؛ فيكون بما ثبتت عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- في تعزية أهل الميّت؛ ما رواه أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قوله: (أنَّ ابْنَةً للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أرْسَلَتْ إلَيْهِ، وهو مع النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وسَعْدٌ وأُبَيٌّ -نَحْسِبُ- أنَّ ابْنَتي قدْ حُضِرَتْ فاشْهَدْنا، فأرْسَلَ إلَيْها السَّلامَ، ويقولُ: إنَّ لِلَّهِ ما أخَذَ وما أعْطَى، وكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى، فَلْتَحْتَسِبْ ولْتَصْبِرْ. فأرْسَلَتْ تُقْسِمُ عليه، فَقامَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقُمْنا، فَرُفِعَ الصَّبِيُّ في حَجْرِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ونَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفاضَتْ عَيْنا النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ له سَعْدٌ: ما هذا يا رَسولَ اللَّهِ؟! قالَ: هذِه رَحْمَةٌ وضَعَها اللَّهُ في قُلُوبِ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، ولا يَرْحَمُ اللَّهُ مِن عِبادِهِ إلَّا الرُّحَماءَ).[١][٢]


شرح حديث تعزية أهل الميّت

معاني المفردات

فيما يأتي بيانٌ لأبرز معاني المفردات الواردة في الحديث الشريف:[٣]

  • حُضرت: أي حضرتها الوفاة واقترب أجلها.
  • فاشهدنا: أي احضر إلينا.
  • فلتحتسب: أي تطلب الأجر من الله.
  • نفسه تقعقع: أي تضطرب وتصدر صوتًا في سكرات الموت.
  • فاضت عيناه: بكى ونزل دمعه.


المعنى الإجمالي للحديث

كان النبيّ -عليه الصلاة والسلام- يُعلّم أصحابه -رضي الله عنهم- والمسلمين من بعدهم الآداب الشرعيّة المتّصلة في شؤون حياتهم المختلفة، بما في ذلك آداب تعزية أهل الميّت، وكان ذلك حين أرسلت له ابنته زينب -رضي الله عنها- أن تحضر إليه حين كان ابنها في سكرات الموت؛ فأرسل النبيّ -عليه الصلاة والسلام- إليها السلام، وقال بالدعاء الذي يُعزّى به أهل الميت من أنّ ما أخذه من الإنسان؛ كنفس قريبه هي في الأصل ملكٌ لله -تعالى-؛ فهو الذي يعطي وهو الذي يمنع وكلّ شيءٍ ملكٌ له، وكلّ شيءٍ عنده بقدرٍ وأجلٍ مكتوبٍ محدَّدٍ، إلّا أنّ زينب أقسمت عليه أن يحضر؛ فحضر إليها، وحمل ابنها، وفاضت روحه في حضن النبيّ -عليه الصلاة والسلام-؛ فبكى النبيّ -عليه الصلاة والسلام- رحمةً وإشفاقًا.[٣]


ما يُرشد إليه الحديث

تُستفاد من الحديث الشريف جملةٌ من المعاني والعبر، ومنها وجوب الصبر والتسليم عند كلّ مصيبةٍ خاصَّةً مصيبة الموت، وجواز إحضار أهل الخير والفضل والصلاح عند المسلم المحتضر المشرف على الموت،[٣] كما يستفاد من الحديث الشريف أنّ تعزية أهل الميّت والدعاء لهم أمرٌ مستحبٌّ.[٤]


أحاديث حول استحباب تعزية أهل الميت

وردت عدّة أحاديث عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- تبيّن مشروعيّة تعزية أهل الميّت، ومنها ما يأتي:[٤]

  • ما رواه قرة بن إياس المزني من قوله: (كانَ نبيُّ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا جلَسَ يجلِسُ إليهِ نفرٌ من أصحابِهِ ، وفيهم رجلٌ لَهُ ابنٌ صغيرٌ يأتيهِ من خلفِ ظَهْرِهِ ، فيُقعدُهُ بينَ يديهِ ، فَهَلَكَ فامتنعَ الرَّجلُ أن يحضُرَ الحلقةَ لذِكْرِ ابنِهِ ، فحزنَ علَيهِ ، ففقدَهُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ : مالي لا أرى فلانًا ؟ قالوا : يا رسولَ اللَّهِ ، بُنَيُّهُ الَّذي رأيتَهُ هلَكَ ، فلقيَهُ النَّبيُّ فسألَهُ عن بُنَيِّهِ ، فأخبرَهُ أنَّهُ هلَكَ ، فعزَّاهُ علَيهِ).[٥]
  • ما رواه عمرو بن حزم عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- أنّه قال: (ما من مؤمنٍ يعزِّي أخاهُ بِمُصيبةٍ إلَّا كساهُ اللَّهُ سبحانَهُ من حُلَلِ الكرامةِ يومَ القيامَةِ).[٦]


مواضيع أخرى:

شرح حديث من شفع لأخيه

شرح حديث يكشف ربنا عن ساقه


المراجع

  1. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أسامة بن زيد، الصفحة أو الرقم:5655، حديث صحيح.
  2. "أفضل ما يقال في التعزية"، الإسلام سؤال وجواب، 4/10/2010، اطّلع عليه بتاريخ 2/8/2022. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت "شرح حديث: لله ما أخذ"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 2/8/2022. بتصرّف.
  4. ^ أ ب "حُكمُ تعزيَةِ المُسلم"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 2/8/2022. بتصرّف.
  5. رواه النسائي، في سنن النسائي، عن قرة بن إياس المزني، الصفحة أو الرقم:2087، صححه الألباني.
  6. رواه ابن ماجه، في سنن ابن ماجه، عن عمرو بن حزم، الصفحة أو الرقم:1601، حسنه الألباني.