نص حديث إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث

أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَديثِ، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَناجَشُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا)،[١] وزاد في روايةٍ أخرى فقال: (ولا يَخْطُبُ الرَّجُلُ علَى خِطْبَةِ أخِيهِ حتَّى يَنْكِحَ أوْ يَتْرُكَ).[٢]


شرح حديث إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث

حثّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- على الترابط والأخوة والاجتماع، ودعا إلى التآلف والتآخي بين المسلمين، ونهى عن كلّ ما يؤدّي إلى التفرقة والعداوة بينهم، وفي هذا الحديث الشريف يحذّر النبيّ من عدّة أمورٍ تؤدّي إلى التنافر والتفرّق، وسيتمّ شرح كل جزئيةٍ من هذا الحديث فيما يأتي:


إياكم والظنّ فإن الظنّ أكذب الحديث

حذّر النبيّ -صلى الله عليه وسلم- المسلمين من الظنّ، ويُقصد بالظنّ هنا ما يقع في القلب من التّهم على الآخر دون دليل، وهو سوء الظنّ بالمسلم دون يقين، ثم قال: "إنَّ الظَّنَّ أكذبُ الحديثِ"؛ أي إنّ الكذب يقع في المظنونات أكثر من وقوعه في الكلام والمجزومات، أو يعني ذلك أنّ هذا الكذب أعظم إثماً من الكذب في الحديث، وقيل: أكذب الحديث يعني حديث النّفس الذي يكون بسبب إلقاء الشيطان في نفس الإنسان.[٣]


وفي هذا الحديث تحذيرٌ من تغليب سوء الظنّ، ولكن لا يعني ذلك أيضاً أن لا يكون المؤمن كيِّساً فطناً ولا يُخدع، ويدلّ على الأمر باجتناب سوء الظنّ قول الله -تبارك وتعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)،[٤] ويقول الخطابي معلِّقاً على الحديث: "ليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالبا، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به"، ويقول القرطبي: "المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها".[٥]


ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا

قيل إنّ المراد من التحسس والتجسس معنىً واحداً،[٦] فقد قال الحربي: المعنى المراد واحد، وهو طلب معرفة الأخبار، وقيل: التجسس يعني البحث عن العورات، أما التحسس: فهو التسمّع،[٧] وهنا ينهى النبيّ عن السعي في كشف ستر الله عن عباده، ومعرفة أحوالهم الغائبة، قال -تعالى-: (وَلَا تَجَسَّسُوا).[٤][٨]


ولا تناجشوا ولا تحاسدوا

أرشد النبيّ الكريم إلى تجنّب ما يؤدّي إلى العداوات الناتجة عن إلحاق الضرر بالغير، ومن ذلك نهيِهِ عن التناجش، وهو أن يقوم النّاجش بزيادة سعر السلعة مع أنّه لا يريد شراءها بالأصل، بل فعل ذلك حتى يُغري غيره بها بهذا السعر فيضرّه، وقد يقع ذلك بالاتفاق مع البائع، ثمّ نهى النبيّ عن التحاسد، والحسد هو تمنّي زوال النعمة عن الغير.[٩]


ولا تباغضوا ولا تدابروا

نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث عن كلّ ما يؤدّي إلى التباغض، ففي الحديث دعوةٌ إلى عدم تعاطي ما يُسبب إلى التباغض، ثم قال: "ولا تدابروا"؛ والتدابر هو التقاطع، أي لا تتخاصموا، ولا تُعرضوا عن بعضكم بعضاً.[٩]


وكونوا عباد الله إخوانا

إنّ النبيّ الكريم إذْ ينهى عمّا يؤدّي إلى التفرّق والنّزاع فهو يهدف أخيراً إلى إشاعة معاني الأخوّة والألفة والمحبّة، وحماية المسلمين من التفكّك والتمزّق، فيدعوهم إلى الوحدة والأخوة، والاعتصام بحبل الله -تعالى-، قال -سبحانه-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا).[١٠][١١]



مواضيع أخرى:

شرح حديث من ستر على مسلم

أحاديث عن حسن الخلق

المراجع

  1. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:6066، صحيح.
  2. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:5143، صحيح.
  3. "شرح حديث (إياكم والظنّ فإن الظنّ أكذب الحديث)"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 29/12/2022. بتصرّف.
  4. ^ أ ب سورة الحجرات، آية:12
  5. عبد القادر الحمد، فقه الإسلام، صفحة 239، جزء 10.
  6. عبد المحسن العباد، شرح سنن أبي داود، صفحة 26، جزء 559. بتصرّف.
  7. ابن الملقن، التوضيح لشرح الجامع الصحيح، صفحة 460، جزء 30. بتصرّف.
  8. عبد القادر الحمد، فقه الإسلام، صفحة 240، جزء 10. بتصرّف.
  9. ^ أ ب موسى لاشين، المنهل الحديث في شرح الحديث، صفحة 173، جزء 4. بتصرّف.
  10. سورة آل عمران، آية:103
  11. "حديث : وكونوا عباد الله إخوانا"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 29/12/2022. بتصرّف.