حديث (إنها مباركة...)
ثبت في صحيح مسلم أنّ أبا ذر الغفاريّ -رضي الله عنه- لمّا ترك قومه، رافضاً لكفرهم وشركهم بالله -تعالى-، ارتحل إلى مكة المكرمة بحثاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلمّا رآه وألقى عليه السلام، وشرح له ما كان من أمره وبعده عن قومه، وقطعه المسافات البعيدة في سبيل القدوم إليه -صلوات الله عليه-، والإسلام بين يديه؛ سأله النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تدبير أمره في الزاد والطعام كل هذه المدّة.
إذ قال له -صلوات الله عليه-: (... مَن كانَ يُطْعِمُكَ؟ قالَ: قُلتُ: ما كانَ لي طَعَامٌ إلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَما أَجِدُ علَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، قالَ: إنَّهَا مُبَارَكَةٌ؛ إنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ...)؛[١] وهذا الحديث يدلّ على أنّ ماء زمزم تُشبع شاربها كأنّما أكل طعاماً يُسمن، ويُغني من الجوع، حتى يزداد وزن شاربه، ولا يجد من الضعف وألم الجوع شيئاً، وبهذا تظهر البركة في هذا الماء.[٢]
حديث (ماء زمزم لما شرب له)
صحّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: (ماءُ زمْزَمُ لِما شُرِب له)،[٣] وفسّر أهل العلم هذا الحديث أنّ ماء زمزم يكون إكراماً من الله -تعالى- لشاربه؛ بأن يجعله له كما أراد ونوى؛ فمن شربه للشفاء شُفي، ومن شربه لجوع أصابه شبع، ومن شربه لحاجة ما قُضيت بإذن الله -تعالى-، فإذا تأخرت الإجابة أو تحقق الحاجة، فقد يكون ذلك لضعف إرادة الشارب أو عدم إخلاصه في نيته.[٤]
حديث (... وكان يصب على المرضى ويسقيهم)
جاء في السنّة النبويّة أنّ أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- كانت تحمل ماء زمزم، وتخبر أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يفعله؛ ففي الحديث: (حَمَلَهُ -أيّ ماء زمزم- رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْأَدَاوِي وَالْقِرَبِ، وَكَانَ يَصُبُّ عَلَى الْمَرْضَى وَيَسْقِيهِمْ).[٥]
حديث (... فشرب منه وتوضأ)
صحّ عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنّه كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجّة الوداع، فلمّا أفاض النبي -صلوات الله عليه وسلم- يوم النحر طلب دلواً فيه ماء زمزم ليشرب ويتوضأ منه؛ ففي الحديث: (... ثُم أفاض رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فدعا بسَجْلٍ من ماءِ زَمزَمَ، فشرِب منه وتوضَّأ...).[٦]
وقد استدلّ أهل العلم بهذا الحديث على جواز استخدام ماء زمزم للوضوء ورفع طهارة الحدث، وكره بعضهم استخدامه في إزالة النجاسات تشريفاً لهذا الماء،[٧] إلا أنّه يجوز استخدامه في الاستنجاء وغسل الجنابة إذا دعت الحاجة لذلك.[٨]
حديث التضلع بماء زمزم
صحّ عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- أنّه سأل رجلاً جاء إليه: (مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ فَقَالَ: شَرِبْتُ مِنْ زَمْزَمَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشَرِبْتَ مِنْهَا كَمَا يَنْبَغِي؟ قَالَ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا أَبَا عَبَّاسٍ؟ قَالَ: إِذَا شَرِبْتَ مِنْهَا فَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَتَنَفَّسْ ثَلَاثًا، وَتَضَلَّعْ مِنْهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْهَا فَاحْمَدِ اللَّهَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: آيَةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ).[٩]
ويُقصد بالتضلّع: الشرب من ماء زمزم حتى الشبع وامتلاء الأضلاع به، بأن يرتفع عظام الجنب عن البطن لكثرة الشرب منه، وهذا التضلّع هو العلامة الفارقة بين المؤمنين المخلصين وبين المنافقين الذين يدعون الاتباع والهداية في ظاهرهم،[١٠] وفي هذا ترغيب بالاستزادة من ماء زمزم، والتنفير من الزهد فيه.[١١]
وقد علل المناويّ جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- التضلّع علامة التفريق بين المؤمنين والمنافقين؛ فقال -رحمه الله-: "... وَالرَّغْبَةُ فِي اَلِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ عُنْوَانِ اَلْغَرَامِ وَكَمَالِ اَلشَّوْقِ، فَإِنَّ اَلطِّبَاعَ تَحِنْ إِلَى مَنَاهِلِ اَلْأَحِبَّةِ وَمُوَاطِنِ أَهْلِ اَلْمَوَدَّةِ وَزَمْزَمَ مَنْهَلَ اَلْمُصْطَفَى -صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَمَحَلٌّ تَنْزِلُ اَلرَّحَمَاتُ، وَفَيْضِ اَلْبَرَكَاتِ؛ فَالْمُتَعَطِّش إِلَيْهَا وَالْمُمْتَلِئُ مِنْهَا قَدْ أَقَامَ شِعَارُ اَلْمَحَبَّةِ وَأَحْسَنَ اَلْعَهْدُ إِلَى اَلْأَحِبَّةِ؛ فَلِذَلِكَ جَعْلُ اَلتَّضَلْعْ مِنْهَا عَلَامَةً فَارِقَةً بَيْنَ اَلنِّفَاقِ وَالْإِيمَانِ".[١٢]
حديث نبع ماء زمزم
ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّ هاجر أم إسماعيل -عليه السلام- لمّا نفذ منها الماء، بعدما تركها النبي إبراهيم الخليل -عليه السلام- وابنها في مكة المكرمة، أخذت تسعى وتبحث عن الماء -بين الصفا والمروة- حتى أتمّت سبعة أشواط، وهي تدعو وترجو الله -تعالى- أن يغيثها وطفلها؛ فأرسل الله -تعالى- إليها ملكاً فضرب الأرض بجناحه، فانفجر نبع زمزم.
وفي الحديث: (... فَإِذَا هي بالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بعَقِبِهِ -أَوْ قالَ: بجَنَاحِهِ- حتَّى ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وتَقُولُ بيَدِهَا هَكَذَا، وجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ المَاءِ في سِقَائِهَا وهو يَفُورُ بَعْدَما تَغْرِفُ. قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قالَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إسْمَاعِيلَ، لو تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أَوْ قالَ: لو لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ- لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا. قالَ: فَشَرِبَتْ وأَرْضَعَتْ ولَدَهَا...).[١٣]
المراجع
- ↑ رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي ذر الغفاري، الصفحة أو الرقم:2473، صحيح.
- ↑ محمد الأمين الهرري، الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، صفحة 21، جزء 24. بتصرّف.
- ↑ رواه الإمام أحمد، في المسند، عن جابر بن عبد الله، الصفحة أو الرقم:14849، صححه سفيان بن عيينة والمنذري.
- ↑ الصنعاني، التنوير شرح الجامع الصغير، صفحة 319، جزء 9. بتصرّف.
- ↑ رواه البيهقي، في السنن الكبرى، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:9988، قال الترمذي حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
- ↑ رواه عبد الله بن الإمام أحمد، في زوائد المسند، عن علي بن أبي طالب، الصفحة أو الرقم:564، صححه البهوتي في كشاف القناع.
- ↑ البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، صفحة 42، جزء 1. بتصرّف.
- ↑ عادل بن سعد، الجامع لأحكام الصلاة، صفحة 225. بتصرّف.
- ↑ رواه الحاكم، في المستدرك على الصحيحين، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم:1738، قال الحاكم حديث صحيح على شرط الشيخين.
- ↑ محمد الأمين الهرري، شرح سنن ابن ماجه للهرري مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه، صفحة 68-69، جزء 18. بتصرّف.
- ↑ عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير، صفحة 60، جزء 1. بتصرّف.
- ↑ عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير، صفحة 60، جزء 1.
- ↑ رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم:3364، صحيح.