تتنوّع العلوم المتّصلة بالحديث النبويّ الشريف ودراسته، ومن أبرز علوم الحديث وأهمّها: علم تخريج الحديث، ويُقصد به العلم الذي يبيّن ويحدّد موضع الحديث الشريف في مصادر وكتب الحديث المختلفة من كتب الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم الحديثية وغيرها، ويبيّنها للناس، بالإضافة إلى الحكم على هذه الأحاديث من حيث درجتها وصحّتها في كثيرٍ من الأحوال،[١] ومن أشهر الكتب التي صُنّفت في تخريج الحديث: كتاب نصب الراية لأحاديث الهداية؛ للإمام الزيلعي -رحمه الله-، وضمّ عددًا كبيرًا من الأحاديث يصعب حصر عددها؛ لأنّ الزيلعي لم يقتصر على ذكر أحاديث كتاب الهداية، بل كان يورد أحاديث أُخرى استدلّ بها الفقهاء الآخرون.


كتاب نصب الراية

تعريفٌ بكتاب نصب الراية

يُعدّ كتاب نصب الراية لأحاديث الهداية من أبرز كتب تخريج الحديث؛ حيث جمع الإمام الزيلعي في كتابه هذا كلّ الأحاديث الواردة في كتاب الهداية في شرح بداية المبتدي للإمام المرغيناني، وهو كتابٌ فقهيٌّ من كتب المذهب الحنفيّ، وقام الإمام الزيلعي بدراسة كلّ الأحاديث النبويّة والآثار الواردة في كتاب الهداية؛ لأنّ المرغيناني كان يذكر الحديث دون بيان مصدره ولا الحكم عليه؛ فعمل الزيلعي على بيان أماكن ومواضع ورود كلّ حديثٍ في كتب الحديث، وبيان درجتها؛ بالحكم عليها من حيث الصّحة والضعف.[٢]


أبرز خصائص كتاب نصب الراية

تميّز كتاب نصب الراية للزيلعي عن سائر كتب التخريج بدقَّته، وشموليّته في تخريج الأحاديث؛ حيث كان الإمام الزيلعي يستقصي عن الأحاديث الواردة في كتاب الهداية في كتب السنّة المختلفة، ويبيّن مواضع هذه الأحاديث ويذكر طرقها، كما لم يقف الإمام الزيلعي عند بيان مواضع هذه الأحاديث؛ إنّما كان يدرس أسانيد هذه الأحاديث، ويورد أقوال علماء الجرح والتعديل في رواة هذه الأحاديث، ويحكم عليها.[٣]


وأمّا عن طريق التخريج التي تبعها الإمام الزيلعي في كتابه؛ فقد كان يذكر نصّ الحديث الوارد في كتاب الهداية، ثمّ يذكر أين ورد هذا الحديث في كتب الحديث باستفاضةٍ في ذكر طرقه ومواضعه، ثمّ يذكر أحاديث أُخرى تشهد لمعنى الحديث الوارد في كتاب الهداية، وإن كانت المسألة التي ورد فيها الحديث من المسائل التي اختلف فيها العلماء؛ فكان الزيلعي يورد الأحاديث الأخرى التي استشهد بها أئمة المذاهب الأخرى غير الحنفية وتخريجها، بإنصافٍ وتجرُّدٍ، وأمّا عن ترتيب الكتاب؛ فقد اتّبع الزيلعي في ترتيبه ترتيب الكتب الفقهية؛ فبدأ بكتاب الطهارة وتسلسل في باقي الموضوعات الفقهيّة.[٣]


الإمام الزيلعي ودوره في علم الحديث

تعريفٌ بالإمام الزيلعي

هو الإمام جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد بن أيوب بن موسى الزيلعي، حنفيّ المذهب، يرجع نسبه إلى بلاد الزيلع -إحدى مدن الصومال-، طلب العلم منذ نشأته؛ فدرس الفقه على مذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، ودرس الحديث، وتعلّم العلم على يد علماءٍ عدَّةٍ، منهم: التُّجِيْبي مسند الإسكندرية، الفخر أبو محمد عثمان بن علي الزيلعي، كما تذاكر العلم مع الحافظ زين الدين العراقي، وقد شهد للزيلعي كثيرٌ من العلماء بسعة علمه واطّلاعه، وتبحّره في الحديث وعلم الرجال، وكانت وفاته -رحمه الله- سنة 762 هـ.[٤]


دور الإمام الزيلعي في علم الحديث

كان للإمام الزيلعي دورٌ بارزٌ في علم الحديث؛ فقد استفاد كثيرٌ من علماء الحديث الذين جاؤوا بعده من طريقته في تخريج كتاب نصب الراية، كالحافظ ابن حجر، كما أنّه لم يخدم بتخريجه لأحاديث كتاب الهداية فقهاء الحنفيّة فقط، بل استفاد منه غيرهم من فقهاء المذاهب الأخرى؛ لأنّه كان يذكر الأحاديث التي استشهد بها فقهاء المذاهب ويخرّجها،[٣] وللإمام الزيلعي كتابٌ آخر في تخريج الأحاديث غير كتاب نصب الراية؛ وهو كتاب: "الكاف الشاف بتحرير أحاديث الكشاف"؛ خرّج فيه الأحاديث التي أوردها الزمخشري في كتابه الكشّاف.[٤]

المراجع

  1. محمد محمود بكار، علم التخريج ودوره في حفظ السنة النبوية، صفحة 6. بتصرّف.
  2. زكرية بنت أحمد بن محمد زكري، "منهج الإمام الزيلعي في علم الرجال وأحوالهم في كتاب نصب الراية"، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية، العدد 36، المجلد 8، صفحة 514-515. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت محمود أحمد الطحان، أصول التخريج ودراسة الأسانيد، صفحة 19-21. بتصرّف.
  4. ^ أ ب نور الدين قلالة، "جمال الدين الزيلعي صاحب نصب الراية"، إسلام أون لاين، اطّلع عليه بتاريخ 25/8/2022. بتصرّف.